ابن رشد

44

بداية المجتهد ونهاية المقتصد

الباب الرابع : في حقوق الزوجية واتفقوا على أن من حقوق الزوجة على الزوج النفقة والكسوة لقوله تعالى : * ( وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ) * الآية . ولما ثبت من قوله عليه الصلاة والسلام : ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ولقوله لهند خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف . فأما النفقة فاتفقوا على وجوبها . واختلفوا في أربعة مواضع : في وقت وجوبها ، ومقدارها ، ولمن تجب ؟ وعلى من تجب ؟ فأما وقت وجوبها فإن مالكا قال : لا تجب النفقة على الزوج حتى يدخل بها أو يدعى إلى الدخول بها وهي ممن توطأ وهو بالغ ، وقال أبو حنيفة والشافعي : يلزم غير البالغ النفقة إذا كانت هي بالغا . وأما إذا كان هو بالغا والزوجة صغيرة فللشافعي قولان : أحدهما مثل قول مالك ، والقول الثاني أن لها النفقة بإطلاق . وسبب اختلافهم : هل النفقة لمكان الاستمتاع أو لمكان أنها محبوسة على الزوج كالغائب والمريض . وأما مقدار النفقة فذهب مالك إلى أنها غير مقدرة بالشرع وأن ذلك راجع إلى ما يقتضيه حال الزوج وحال الزوجة ، وأن ذلك يختلف بحسب اختلاف الأمكنة والأزمنة والأحوال ، وبه قال أبو حنيفة ، وذهب الشافعي إلى أنها مقدرة ، فعلى الموسر مدان ، وعلى الأوسط مد ونصف ، وعلى المعسر مد . وسبب اختلافهم : تردد حمل النفقة في هذا الباب على الاطعام في الكفارة أو على الكسوة ، وذلك أنهم اتفقوا أن الكسوة غير محدودة وأن الاطعام محدود . واختلفوا من هذا الباب في هل يجب على الزوج نفقة خادم الزوجة ؟ وإن وجبت فكم يجب ؟ والجمهور على أن على الزوج النفقة لخادم الزوجة إذا كانت ممن لا تخدم نفسها ، وقيل بل على الزوجة خدمة البيت ، واختلف الذين أوجبوا النفقة على خادم الزوجة على كم تجب نفقته ؟ فقالت طائفة : ينفق على خادم واحدة ، وقيل على خادمين إذا كانت المرأة ممن لا يخدمها إلا خادمان وبه قال مالك وأبو ثور . ولست أعرف دليلا شرعيا لايجاب النفقة على الخادم إلا تشبيه الاخدام بالاسكان . فإنهم اتفقوا على أن الاسكان على الزوج للنص الوارد في وجوبه للمطلقة الرجعية ، وأما لمن تجب النفقة فإنهم اتفقوا على أنها تجب للحرة الغير ناشز . واختلفوا في الناشز والأمة . فأما الناشز فالجمهور على أنها لا تجب لها نفقة ، وشذ قوم فقالوا تجب لها النفقة . وسبب الخلاف : معارضة العموم للمفهوم . وذلك أن عموم قوله عليه الصلاة والسلام ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف يقتضي أن الناشز وغير الناشز في ذلك سواء ، والمفهوم من أن النفقة هي في مقابلة الاستمتاع يوجب أن لا نفقة للناشز . وأما الأمة فاختلف فيها أصحاب مالك اختلافا كثيرا ، فقيل : لها النفقة كالحرة ، وهو المشهور ، وقيل